يونس صالح بحري الجبوري العراقي أسطورة

رام الله – دنيا الوطن
منذ مدة ليست بالقصيرة وأنا أتابع ما ينشر عن شخصية أسطورية مشاكسة، هذه الشخصية المحيرة الغريبة لعراقي اسمه يونس صالح بحري الجبوري، وقد دهشت من قدرات هذا الرجل الفريدة، فهي لا يمكن أن تجتمع كلها عند إنسان واحد على وجه البسيطة غير الإنسان العراقي الأصيل، هذا الكائن الذي ملأ الدنيا وشغل الناس على مر التاريخ. ومن المستحيل أن يتمكن إنسان ما مهما امتلك من قدرات خارقة أن يجمع أصنافا من الأعمال المتناقضة جدا، فيكون السيد والعبد، والمؤمن والسكير، والبتول والداعر في الزمان والمكان نفسه، وإلا بماذا نفسر اشتغال يونس صالح بمجموعة وظائف متعارضة وبعيدة جدا عن بعضها، تزامن بعضها مع البعض الآخر لدرجة أنه كان يؤدي بعضها نهارا، ويؤدى نقيضها ليلا، مثل: موظaف حكومي، مؤلف، رحالة، صحفي ومحرر ومراسل، مذيع، مؤذن في جامع، إمام جماعة في الصلاة، علما أنه خلال ترحاله، عمل إماما وخطيبا في عدد من الدول الأوروبية، رئيس تخت موسيقى، عازف عود، مغني، ممثل، مؤديا للرقص الشرقي، راهب، راقص في ملهى ليلي، رئيس تحرير صحف ومجلات، مفتي، مستشارا ملك ليبيا السنوسي، بطل سباحة دولي، هارب مطلوب للشرطة العراقية، محكوم بالإعدام، مدير ومذيع إذاعة برلين العربية، مارشال في الجيش النازي يرتدي الصليب المعقوف ومن المقربين لهتلر والقادة الألمان، سجين في سجن (أبو غريب) بجانب كبار ضباط العهد الملكي.

ولد يونس صالح بحري الجبوري في الموصل عام 1903، وكان أبوه ساعي بريد في الجيش العثماني، يوصل  البريد بين الموصل وإسطنبول. بمعنى أنه من عائلة بسيطة، تملك كما قليلا من التعليم، ومع هذا وضعه والده لدى أحد (الملالي) ليتعلم القران الكريم في (الكتاتيب)، ثم في مرحلة لاحقة، ألحقه بالمدارس النظامية في الموصل، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وتحديدا في عام 1921، أدخله دار المعلمين العالية في بغداد.

والظاهر أن الانتقال من بيئة مغلقة إلى بيئة مفتوحة، أثر عليه في بداية الأمر، مما حدا به أن يترك الدراسة في دار المعلمين، ويعمل موظفا في وزارة المالية، بوظيفة كاتب؛ التي استمر يزاولها لغاية عام 1923، ثم فجأة، ترك الوظيفة، وسافر إلى خارج العراق، سائحا في عدد من الدول الأوروبية والآسيوية والإفريقية، زار خلالها الجزائر، والتقى بمدينة قسنطينة بالمفكر مالك بن نبي؛ الذي ترك فيه أثرا كبيرا. وفي الجزائر مارس عدة مهن، وبعد سنتين من الغربة عاد إلى العراق في عام 1925، حيث أصدر أول كتبه؛ وهو بعنوان (العراق اليوم)، لكنه  ما لبث أن عاد إلى هواية الترحال، حتى اشتهر باسم (السائح العراقي).

وفي عام  1929 زار فرنسا، والتقى في مدينة نيس الفرنسية بفتاة هولندية اسمها (جولي فان در فين)، وأراد الزواج بها، فرفضت لأنها لم تكن تحب الترحال.

وفي تلك المدة كان بناء جامع باريس قد اكتمل وفق المواصفات الغربية، حيث كان يحوي مكانا للصلاة، وسوقا، وحمامات عربية، ومطعما مغربيا، فضلا عن ملهى ليليا، وهي تناقضات غريبة. والظاهر أن هذا التناقض حفز لدى يونس روح المشاكسة، فقرر أن يؤسس لنفسه حيزا من التناقضات الخاصة به، والتي تناسب تناقضات الجامع، حيث جمع بين وظيفة العبادة ووظيفة الفن، ففي الجانب الإيماني، شغل منصب المؤذن في الجامع، وإمام الجماعة البديل عند غياب الإمام الأصيل. وفي الجانب الفني، شغل منصب رئيس تخت الموسيقى في الملهى الليلي، وعازف العود، والمغني، والممثل وبطل الرقص الشرقي، مقلدا لأشهر الراقصات المصريات. مع كل هذه المشاغل، دعاه حبه إلى الترحال إلى أن يغادر باريس، سائحا في أرجاء المعمورة.

في عام 1930 قادته خطاه إلى إندونيسيا، وخلال إقامته فيها، اشترك عام 1931 مع الأديب الكويتي عبد العزيز الرشيد بإصدار مجلة (الكويتي والعراقي)، التي توقفت عن الصدور عام 1937. وأصدر مجلة أخرى هي (الحق والإسلام)، وتزوج فتاة اندونيسية جميلة. ثم سرعان ما هاج لديه الحنين إلى الترحال، فغادرها، تاركا كل شيء. وكانت قصة زواجه بهذه الفتاة غريبة هي الأخرى، فهو حينما كان في إندونيسيا عمل مفتيا في إحدى جزرها، وفي أحد الأيام، جاءه أحد السكان الأصليين المسنين وبصحبته فتاة في منتهى الجمال، طالبا منه عقد قرانه عليها، لكنه أعجب بالفتاة كثيرا، فقرر أن يمنع هذه الزيجة ويستحوذ على الفتاة، فقال للرجل: حرام ولا يجوز شرعا لرجل طاعن في السن الاقتران بفتاة اصغر منه، فصدقه المسكين، وترك الفتاة، فقام بالزواج منها فورا. ولكنه سرعان ما تركها وعاد إلى العراق، فأصدر جريدة باسم (العقاب).  وما هي إلا مدة قليلة حتى غادرها، متجها إلى الهند. وفي الهند مارس ثلاث مهن غريبة، حيث عمل مراسلا لإحدى الصحف الهندية، وفي نفس الوقت عمل راهبا في النهار، وراقصا في ملهى في الليل، ثم هاج به الحنين، فترك الهند وعاد إلى العراق، وأصدر عدة مطبوعات. وخلال إقامته في العراق، كان أول من قدم الملك غازي من إذاعة قصر الزهور، وكان الصوت الذي يعبر عن آراء وأفكار الملك.

منذ عام 1935 ولغاية عام 1939 لم يسافر خارج العراق عدا زيارته لمنطقة عسير جنوب السعودية، ومشاركته باسم العراق في سباق لعبور القنال الانجليزي (المانش) سباحة، ومن الطريف أنه شارك في السباق دون إعداد أو تدريب، فكانت المفاجأة فوزه بالمركز الأول والميدالية الذهبية!

أما الذي دعاه إلى الخروج من العراق في عام 1939 فهو أنه كان هاربا من الشرطة العراقية، حيث صدر أمر بالقبض عليه في نيسان من عام 1939 وتحديدا في اليوم التالي لوفاة الملك غازي وذلك لأنه اصدر في هذا اليوم صحيفته (العقاب) موشحة بالسواد حزنا على غازي، وكان العنوان الرئيسي لها (مقتل الملك غازي) حيث اتهم في مقاله الانجليز ونوري السعيد والأمير عبد الإله بافتعال حادث السيارة الذي أودى بحياة الملك. وقد أثار صدور العدد الموشح بالسواد ردود فعل غاضبة خرجت على أثرها تظاهرة جماهيرية كبيرة في الموصل، حيث قام المتظاهرون بقتل القنصل البريطاني العام.

وخلال ترحاله، حط رحاله في ليبيا، وما هي إلا أيام حتى عمل مستشارا لملك ليبيا السنوسي مدة يسيرة، ثم رحل دون وداع.

قادته قدماه إلى برلين التي التقى فيها وزير الدعاية النازي (جوزف غوبلز) والدكتور (الفريد روزنبرج) منظر الحزب النازي، وهناك عمل مذيعا يقرأ التعليقات والتحليلات في محطة برلين العربية، وكان يبدأ خطاباته بجملة (حي العرب). ثم قام بجمع ما قدمه في الإذاعة  وأصدره في بيروت بكتاب  في عام 1956تحت عنوان (هنا برلين).

كان خلال عمله في الإذاعة، يروج الدعاية النازية والخطاب العدائي لبريطانيا وحلفائها. وأصبح أحد المقربين للقيادة الألمانية، يحضر الاحتفالات الرسمية مرتديا الزي العسكري الألماني النازي برتبة مارشال، مرتديا الصليب المعقوف على ساعده، مما أتاح له مقابلة العديد من رموز النازية بما فيهم الزعيم (أدولف هتلر) والزعيم الفاشي الايطالي (بينيتو موسوليني).

من طريف ما عمله من اجل جذب المستمعين العرب لإذاعة برلين أنه طلب من غوبلز أن يوافق على بث القرآن الكريم في بداية إرسال الإذاعة، فتردد غوبلز لكنه أوصل المقترح إلى هتلر؛ الذي وافق عليه بعد أن شرح له يونس أن بث القرآن الكريم سيجذب انتباه المستمعين العرب إلى إذاعة برلين، والعزوف عن الاستماع إلى الإذاعة البريطانية (BBC) التي كانت لا تذيع القرآن، فكسبت إذاعة برلين انتباه المسلمين وأصبحت المفضلة عند العرب، وبعد مدة بدأت إذاعة (BBC) ببث آيات القرآن الكريم!.

بعد سقوط برلين على يد الحلفاء، كان يونس بحري من الأسماء المطلوب القبض عليها، فقرر السفر إلى الجزائر، فوصلها في 20 مايس 1945م، وفي يوم 26 مايس 1945م وصل بالقطار إلى تونس.

والظاهر أن وسمه بالنازي، وصدور أمر بإلقاء القبض عليه، حدد حركته كثيرا، ولذا قل نشاطه عن قبل حيث عاش في بعض البلدان العربية ومنها لبنان.

في 13 تموز 1958 أي قبل ثورة تموز بيوم واحد، هرب يونس من بيروت عائدا إلى العراق بسبب المواجهات التي حدثت بين الرئيس اللبناني آنذاك (كميل شمعون) ومعارضيه من القوميين.

فأعتقل، وأودع سجن (أبو غريب) بجانب كبار ضباط العهد الملكي. ومن الطريف أن اعتقاله جاء صدفة حيث عثر عليه في منزل ابن أخيه العقيد الركن (وحيد صادق الجبوري)؛ الذي كان من بين المطلوب اعتقالهم.

بعد مدة يسيرة حكم على يونس بالإعدام، ثم تم تبديل الحكم إلى المؤبد لعدم كفاية الأدلة، وبعدها أطلق سراحه بعد وساطات كثيرة من زعماء وقادة عرب وأجانب، فافتتح مطعما في بغداد، كان زبائنه من السفراء والوزراء والكتاب، وكان يقوم بطبخ الأطباق العديدة التي تعلمها من رحلاته، ولم يستمر المطعم طويلا، حيث غادر إلى بيروت، وهناك اصدر عدة كتب ومجلات منها مذكراته في سجن أبو غريب.

وبعد حركة عام 1963، استدعاه الرئيس عبد السلام عارف، ورد اعتباره، وكرمه، فأصدر كتابا عن حركة 8 شباط باسم (أغاريد ربيع).

مع كل الدهشة التي تثيرها سيرة حياة يونس، هناك دهشات أكبر:

الأولى: أنه مع انشغاله بكل تلك الأعمال المتنوعة كان يجيد التحدث بست عشرة لغة أجنبية، وتمكن من الزواج بأكثر من ثمانين امرأة حول العالم، وأنجب أكثر من مائة ولد وبنت.

الثانية: أنه نجح في إصدار أكثر من عشرين كتابا، منها:

1.    أسرار 2/مايس/1941، أو الحرب العراقية الإنكليزية. (بغداد 1968)

2.    تاريخ السودان. (القاهرة 1937)

3.    تونس. (بيروت 1955)

4.    ثورة 14 رمضان المبارك. (بيروت 1963)

5.    الجامعة الإسلامية. (باريس 1948)

6.    الجزائر. (بيروت 1956)

7.    الحرب مع إسرائيل وحلفائها. (بيروت 1956)

8.    دماء في المغرب العربي. (بيروت 1955)

9.    سبعة أشهر في سجون بغداد. (بيروت 1960)

10.                       صوت الشباب في سبيل فلسطين الدامية والبلاد العربية المضامة. (1933)

11.                       العراق اليوم. (بيروت 1936)

12.                       العرب في أفريقيا. (بيروت)

13.                       العرب في المهجر. (بيروت 1964)

14.                       ليالي باريس. (باريس 1965)

15.                       ليبيا. (بيروت 1956)

16.                       محاكمة المهداوي. (بيروت 1961)

17.                       المغرب. (بيروت 1956)

18.                       موريتانيا الإسلامية. (بيروت 1961)

19.                       هنا برلين : حيّ العرب. (1 – 8 بيروت 1956)

20.                       هنا بغداد. (بغداد 1938)

الثالثة: أنه توفي في عام 1979 ببغداد التي أحبها، معدما فقيرا لا يملك شروى نقير، فقامت “البلدية” بدفنه على نفقتها.

التعليقات 1

  1. ابو احمد

    رحمك الله يا ابا لؤي

    الرد

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

راسلنا

يمكمنكم مراسلتنا عبر هذا النموذج

Open