• عبدالله ابراهيم العسكر

  • يونس بحري أشهر من نار على علم في أربعينيات وخمسينيات القرن الميلادي المنصرم، أما اليوم فلا يكاد يسمع باسمه أحد، ناهيك أن يعرفه أو يلم بتاريخه وجهاده الصحفي والاذاعي إلا القلة من المتابعين لتاريخ يونس المثير والحافل في المشرق العربي وفي أوروبا خاصة أيام الحرب العالمية الثانية.

لم أكن أعرف عن يونس إلا القليل، ومن هذا القليل ما له علاقة بتاريخ المملكة الحديث مثل: زيارة يونس للرياض ومقابلته للملك عبدالعزيز عام 1925م الموافق 1344هـ وزيارته لمنطقة عسير حوالي 1935م الموافق 1352هـ، وقد قيل وقتها انه سجل في مذكراته الشيء الكثير عن أوضاع المنطقة، ووصف ما كانت عليه الحياة اليومية في أبها، كما نقل لي شاهد عيان من أن يونس سجل مقابلات مع مسؤولين سعوديين والتقط بعض الصور الفوتوغرافية لشخصيات عامة ولبعض مظاهر الحياة العامة في أبها مثل قصر شدا، والأسواق الأسبوعية وغير ذلك. هذا على أهميته ما كنت أسمعه ممن التقيت بهم من كبار السن. فأين يا ترى ما كتبه وصوره يونس بحري؟

أما كون يونس ممن استهوتهم السياسة والترحال فهذا لأمر لاشك فيه، وقبل التطرق لهذا الشأن يجمُل بنا أن نلم بشيء عن يونس البحري، وما لدي يكاد لا يشفي العليل. ولد يوسف في الموصل في العراق وتلقى تعليمه الأول فيه، وكان يهوى السفر والترحال لدرجة الهوس، مما مكنه من زيارة مُعظم البلاد المشهورة في وقته، وأتقن ما يقارب من ست عشرة لغة حيّة، كما تقلد مناصب عديدة منها: إمام جامع باريس، ومفتي أندونيسيا، ومستشار ملك ليبيا، وصاحب الصوت المميز والمسؤول في إذاعة برلين العربية التي لعبت دوراً مشهوراً أبان الحرب الكونية الثانية. من تلك المعلومات القليلة يشعر المرء أنه أمام عدة رجال في رجل، وأحسب ان الأمر لا مبالغة فيه، ذلك أن رجلاً يلفت نظر هتلر، ويسعى الأخير للفوز به وكسبه إلى جانبه، حري بأن يجعلنا نصدق ما يُقال ويُشاع عن يونس بحري.

يقول يونس فيما أطلعت عليه ما نصه: (هنا برلين: حيّ العرب. بهذه العبارة المدوية افتتحت الاذاعة العربية من محطة الاذاعة الألمانية في برلين، وذلك في الساعة السابعة من مساء يوم 7ابريل عام 1939م “الموافق 1358هـ” أي بعد ثلاثة أيام من مغادرتي بغداد. كانت الاذاعة العربية التي أشرفت على تأسيسها وحدي وتوليت الاذاعة فيها بمفردي. وكان الفوهرر هتلر يحاول في ذلك الحين اسكات الدعابة البريطانية والفرنسية ـ كلاهما يملكان إذاعة عربية ـ التي تفاقمت ضده وضد الحرب النازي في العالم عامة وفي البلاد العربية خاصة).

لعل الأسطر السابقة، وهي مما كتبه يونس في سيرته الذاتية التي لم يصلنا منها إلا النزر اليسير، توضح بجلاء أن برلين كانت المحطة الأكبر في حياة يونس بحري، وأن برلين ستطبع حياة يونس العربية والقومية القوية. لقد توفر ليونس في برلين ما كان يطمح له من السلطة والمال والمعلومات، وهو ما وظفه كله فيما بعد في خدمة القضايا العربية لدى أكبر قوة عسكرية وسياسية آنذاك، اقصد ألمانيا. من برلين تعرف يونس، وإن شئت قلت، وطّد علاقاته مع أساطين الحكم والإعلام في ألمانيا وأوروبا من مثل: الدكتور غوبلز وزير دعاية الرايخ ويد هتلر اليسرى(على اعتبار أن هيس كان يده اليمنى) وكذلك الدكتور الفريد روزنبرغ فيلسوف الحزب النازي وشارح قوانينه. وكذلك الدكتور غروبا الوزير والسفير المقرب من هتلر، وهو الشخص الذي أقنع هتلر بتقديم محطة إذاعة على الموجة القصيرة بقوة 50كيلووات هدية للحكومة العراقية، مع العلم أن العراق وحكومته آنذاك كانت ضد ألمانيا قولاً وفعلاً. ومنهم أيضاً المارشال فون هندنبرغ سلف هتلر في الحكم، وكذلك فون بابن عميد الديبلوماسية الألماني، وربينتروب والدكتور لاي، وبالدور فون شيراخ، وفون وايتزيكر. كما وطد يونس علاقاته مع السفير بروفر والوزير المفوض غرانو، وأمين سر الدولة الغيهامرات موريس. أما الساسة الأوروبيون الذين التقى يونس بهم فهم كثر، يأتي على رأسهم هتلر وموسوليني. وسيتمخض عن تلك العلاقات مد وشد في العلاقات العربية مع دول المحور، لا أشك أن ليونس دوراً كبيراً في ذلك، مع أنني لا أملك الآن ما يثبت أو ينفي ما أذهب إليه.

استطاع يونس أن يجيد اللغة الألمانية والتعرف على عدد من المسؤولين الألمان قبل أن يغادر بغداد سراً إلى ألمانيا. والثابت كما يقول يونس عن نفسه أن الأمير شكيب أرسلان لعب دوراً مشهوداً في تقديم يونس للساسة الألمان. وانحياز يونس وإعجابه بألمانيا وسياستها لم يكن أمراً سرياً، ولم يكن اختياراً عاطفياً حتى بعد أن هُزمت ألمانيا وسقط الحزب النازي وتبخرت أحلام يونس، بقي يونس على خياره الأول. يصف يونس تلك الفترة العصيبة في لقاء مع رجل العراق القوي نوري السعيد. يقول يونس: (راح نوري يلومني ويعاتبني لاستمراري في نقد سياسته إبان الحرب وقبلها من إذاعات برلين، ثم قال وهو يتهكم ضاحكاً وبيده مسبحته التقليدية: أرأيت كيف كانت نهاية أصحابك الألمان؟ وكيف اخترت يا يونس الصفقة الخاسرة) يقول يونس أنه لم يختر الصفقة الخاسرة كما ذهب نوري وغيره من العرب الذين التقى بهم ويقول انه اختار ألمانيا لأنها صديقة العرب أولاً، ولأنه يكره اليهود والاستعمار ثانياً.

يظهر أن يونس بحري وضع حياته للدفاع عن العرب وزعماء العرب بصرف النظر عن ميوله الشخصية. ومما قرأت في هذا الشأن المقابلة المشهورة التي تمت بين هتلر ويونس بحري. ويظهر لي أنها تمت بطلب من هتلر نفسه. يقول يونس ما نصه: (وأدخلوني على الفوهرر لأول مرة بعد وصولي إلى ألمانيا، وكان ذلك في العاشر من يونيو 1939م ووقفت أمام الرجل الذي دوخ العالم، ومد يده يُصافحني قائلاً: إن ابن سعود قد أرسل إليه وفداً يرأسه السيد خالد القرقني لمفاوضته في بعض المسائل الخطيرة. فهل تعرف من هو السيد خالد؟ إنني معجب بابن سعود فهو رجل عصامي خلق في الصحراء مملكة ووحد القبائل والإمارات والمشيخات الصغيرة. إنه رجل يستحق كل احترامي. قلت: الحق أن الملك عبدالعزيز كما وصفتم يا أيها الفوهرر وأنا أعرفه قبل أن يحتل الحجاز).

وقرأت أيضاً أثر كتابات جون فيلبي عن الملك عبدالعزيز والمملكة في صُنّاع السياسة الألمانية. يقول يونس بحري في هذا الصدد ما نصه: (وفي الواقع فإن فون هنتيك كان متأثراً كل التأثير بما كان يكتبه الحاج عبدالله فيلبي المستشار السابق للملك عبدالعزيز آل سعود، لذا فقد مال فون هنتيك إلى الاعتقاد بأن اتفاق ألمانيا مع العرب هو عديم الفائدة، وبأن الدولة العربية الوحيدة التي يمكن لألمانيا الاتفاق معها هي المملكة السعودية وعلى رأسها عبدالعزيز. ويشاء أن يضرب ضربته هكذا خبط عشواء، فقد طرد الملك سعود الحاج عبدالله فيلبي البريطاني من المملكة العربية السعودية في العام المنصرم، وعيّن في الوقت نفسه الهر فون هنتيك الألماني مستشاراً له).

مذكرات يونس بحري الناقصة التي نشرتها دار النشر للجامعيين ببيروت تحت عنوان: (هنا برلين: حي العرب) تحتاج إلى مراجعة دقيقة، ففيها معلومات وآراء كثيرة نتفق مع بعضها ونختلف مع بعضها، ولكن المهم في نظري هي ما لم تنشره الدار من مذكرات يونس بحري، ويغلب على ظني أن الدار المذكورة لم تحصل على كل أوراق يونس بحري. ولعل المؤسسات المختصة كدارة الملك عبدالعزيز أو الأشخاص المختصين في العلاقات السعودية الألمانية يسعون لجمع أوراق يونس بحري المتعلقة بزياراته للرياض ومنطقة عسير، أو بما يكتبه عن العلاقات السعودية اليمنية، أو بما كتبه عن غروبا وفون هنتيك وعلاقتهما بالمملكة والملك عبدالعزيز والملك سعود رحمهما الله، ففي ظني أنها تحتوي على تاريخ يهمنا، وفي يقيني أنها تحوي صوراً فوتوغرافية لا نملك مثيلاً لها. والله أعلم.