حكاية المذيع العراقي يونس بحري الجبوري مع المانيا النازية

إيهاب المقبل

من بين ركاب لوفتهانزا، والذين وصلوا إلى برلين النازية في الخامس من ابريل نيسان عام ١٩٣٩، كانَ هناك رجلًا مبتهجًا، مُنتفخًا قليلًا، ذو شعر داكن في أواخر الثلاثينات من عمره، يتقن نحو ١٧ لغة اجنبية من بينها الالمانية، وبكل ثقة وجد طريقه يسيرًا بين الحشود في المطار، وفي عاصمة الزعيم النازي المُلحد ادولف هتلر. كانَ هذا الرجل يونس صالح بحري الجبوري، ابن الموصل الحدباء، القاريء للقرآن الكريم عند الكتاتيب، وناشط إستقلال العراق وفلسطين ووحدة البِلاد العربية، وقد زارَ برلين عدة مرات من قبل. كانت البداية لقاءه مع وزير الدعاية السياسية جوزيف غوبلز في عام ١٩٣١، أي قبل ان يصل هتلر إلى السلطة بعامين، ليجند دعم غوبلز لصحيفة العقاب التي سينشرها في بغداد عام ١٩٣٣. ومع تجمع غيوب الحرب فوق سماء اوروبا، بدأت الآن مهمة مختلفة تمامًا، وهي إطلاق أول خدمة للغة العربية في إذاعة برلين، تكون منافسة لإذاعة (BBC) البريطانية في المنطقة.

وفي برلين استقر الجبوري، وعملَ مذيعًا في محطة إذاعة برلين العربية، مع الداعية السلفي محمد تقي الدين الهلالي المغربي، وكانَ يبدأ خطاباته بجملة (هنا برلين حيَّ العرب)، وامتاز بلكنته العربية الفصحى، ونبرة صوته القوية المبتهجة الفريدة من نوعها. ومن أجل كسب قلوب وعقول المسلمين، والتأكيد على ان المشروع النازي لا يستهدفهم، ويدعوا للاستقلال من الإستعمار اليهودي والبريطاني والفرنسي والروسي، فقد طلبَ الجبوري من غوبلز أن يوافق على بث آيات من القرآن الكريم في بداية إرسال الإذاعة، فتردد غوبلز في البداية لكنه أوصل المقترح إلى هتلر، الذي وافق عليه بعد أن شرح له يونس بحري أن بث القرآن الكريم سيجذب انتباه المستمعين العرب إلى إذاعة برلين، وترك الاستماع إلى إذاعة (BBC) البريطانية والتي كانت لا تذيع القرآن، فكسبت إذاعة برلين انتباه جمهور المسلمين وأصبحت المفضلة عند العرب، وبعد فترة أحست بريطانيا بذلك فبدأت إذاعة (BBC) ببث آيات من القرآن الكريم أيضًا. يقول الجبوري في مذكراته عن هذه الاذاعة: (حتى وقت ليس بالبعيد، لم تكن تبدو تلك العبارة غريبة على الأسماع، فقد بقيت في أذهان العرب وذاكرتهم، رغم انهيار الرايخ الثالث، وهزيمة ألمانيا.. وبهذه العبارة المدوية (هنا برلين حيَّ العرب) افتتحتُ الإذاعة العربية من محطة الإذاعة الألمانية في برلين، وذلك في الساعة السابعة من مساء يوم ٧  نيسان/أبريل من عام ١٩٣٩، أي بعد ثلاثة أيام من مغادرتي بغداد).

<script async src=”https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js”></script>
<ins class=”adsbygoogle”
style=”display:block; text-align:center;”
data-ad-layout=”in-article”
data-ad-format=”fluid”
data-ad-client=”ca-pub-3435616598576982″
data-ad-slot=”8505205703″></ins>
<script>
(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});
</script>

 

وكانَ للجبوري علاقات متميزة بالحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، وكذلك الوزير العراقي رشيد عالي الكيلاني باشا، والذين كانا حلفاء للألمان ضد الانكليز، ولقد هاجم الأنظمة العربية والانكليز في خطاباته من إذاعة برلين العربية، داعيًا العرب لحمل السلاح ضدهم، فوصفتهُ الوثائق البريطانية بأنهُ رجلٌ متجرد من المباديء، وبعد هزيمة المانيا في الحرب انتقلَ إلى فرنسا، ومنها إلى المغرب، ثم غادرها بإتجاه إمارة شرق الأردن، ثم رجعَ بغداد فاصبح فيها مطاردًا، فغادرها بإتجاه لبنان، ومن بيروت سافرَ إلى سوريا والاردن، ومن ثم مصر، ثم عادَ لبغداد، واصبح فيها مطاردًا من قبل الشيوعيين التابعين لعبد الكريم قاسم، فغادرها بإتجاه لبنان، ثم عادَ إلى العراق بعد تصفية عبد الكريم قاسم عام ١٩٦٣، ثم سافر مرة أخرى وعاد إلى بغداد في عقد السبعينات بعد أن ادركته الشيخوخة وأنسل من الذاكرة ولم يعرفهُ أحد، فتوفي فقيرًا سنة ١٩٧٩، ودفنته بلدية بغداد على نفقتها في مقبرة الغزالي.

يَكتب الجبوري في سيرته الذاتية أنه “ولد في أول القرن العشرين، أي سنة ١٩٠٠، وتحديدًا في الشهر الأول منه، وأسس في حياته ١٦ إذاعة، وأتقن ١٧ لغة، وحمل ١٥ جنسية، وتزوج ٩٠ امرأة زواجًا شرعيًا، وأكثر من ٢٠٠ زواج مدني، أنجب ٣٦٥ ذكرًا، ولا يعلم عدد الإناث، كان عنده أكثر من ١٠٠٠ حفيد، قابل معظم رؤساء العالم، وله معهم صداقات. حكم عليه بالإعدام أربع مرات”. سأل أحد الصحافيين الجبوري وهو في نهايات عمره”كيف تزوجت هذا العدد الكبير من النسوة، وأنت مسلم، والإسلام لا يبيح إلا أربع زوجات؟ فأجابه: (أنا لم أتبع إلا الشرع، ولم أنكح إلا كما جاء في القرآن إمساك بمعروف وتسريح بإحسان).

وعُرف لاحقًا من بنات الجبوري منى يونس بحري، أستاذة علم النفس في جامعة بغداد، ومن اولاده رعد يونس بحري الادميرال في الاسطول الفلبيني. وله العديد من المؤلفات والمقالات والكتب، ومن أبرزها: (صوت الشباب في سبيل فلسطين الدامية والبلاد العربية المضامة، طبع في عام ١٩٣٣؛ العراق اليوم، طبع في بيروت ١٩٣٦؛ تاريخ السودان، طبع في القاهرة ١٩٣٧؛ هنا بغداد، طبع في بغداد ١٩٣٨؛ الجامعة الإسلامية، طبع في باريس ١٩٤٨؛ تونس، طبع في بيروت ١٩٥٥؛ دماء في المغرب العربي، طبع في بيروت ١٩٥٥؛ الجزائر، طبع في بيروت ١٩٥٦؛ ليبيا، طبع في بيروت ١٩٥٦؛ الحرب مع إسرائيل وحلفائها، طبع في بيروت ١٩٥٦؛ هنا برلين: حيّ العرب، وطبع في ثمانية أجزاء – بيروت ١٩٥٦؛ سبعة أشهر في سجون بغداد، طبع في بيروت ١٩٦٠؛ موريتانيا الإسلامية، طبع في بيروت ١٩٦١؛ العرب في المهجر، طبع في بيروت ١٩٦٤؛ أسرار ٢  مايس ١٩٤١، أو الحرب العراقية الإنكليزية. طبع في بغداد ١٩٦٨).

إيهاب المقبل

أرسل

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

راسلنا

يمكمنكم مراسلتنا عبر هذا النموذج

Open